أبي حيان الأندلسي

468

البحر المحيط في التفسير

بعهود الإسلام على التمام . فالشهداء منهم ، والعشرة الذين شهد لهم الرسول بالجنة ، منهم من حصل في هذه المرتبة بما لم ينص عليه ، ويصحح هذا القول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وقد سئل من الذي قضى نحبه وهو على المنبر ؟ فدخل طلحة بن عبيد اللّه فقال : هذا ممن قضى نحبه . وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ : إذا فسر قضاء النحب بالشهادة ، كان التقدير : ومنهم من ينتظر الشهادة ؛ وإذا فسر بالوفاء لعهود الإسلام ، كان التقدير : ومنهم من ينتظر الحصول في أعلى مراتب الإيمان والصلاح . وقال مجاهد : ينتظر يوما فيه جهاد ، فيقضي نحبه . وَما بَدَّلُوا : لا المستشهدون ، ولا من ينتظر . وقد ثبت طلحة يوم أحد حتى أصيبت يده ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أوجب طلحة » ، وفيه تعريض لمن بدل من المنافقين حين ولوا الأدبار ، وكانوا عاهدوا لا يولون الأدبار . لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ : أي الذين صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ، بِصِدْقِهِمْ : أي بسبب صدقهم . وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ ، وعذابهم متحتم . فكيف يصح تعليقه على المشيئة ، وهو قد شاء تعذيبهم إذا وفوا على النفاق ؟ فقال ابن عطية : تعذيب المنافقين ثمرته إدامتهم الإقامة على النفاق إلى موتهم ، والتوبة موازية لتلك الإقامة ، وثمرة التوبة تركهم دون عذاب . فهما درجتان : إقامة على نفاق ، أو توبة منه . وعنهما ثمرتان : تعذيب ، أو رحمة . فذكر تعالى ، على جهة الإيجاز ، واحدة من هاتين ، وواحدة من هاتين . ودل ما ذكر على ما ترك ذكره ، ويدلك على أن معنى قوله : وَيُعَذِّبَ ، أي : ليديم على النفاق ، قوله : إِنْ شاءَ ، ومعادلته بالتوبة ، وحذف أو . انتهى . وكان ما ذكر يؤول إلى أن التقدير : ليقيموا على النفاق ، فيموتوا عليه ، إن شاء فيعذبهم ، أو يتوب عليهم فيرحمهم . فحذف سبب التعذيب ، وأثبت المسبب ، وهو التعذيب . وأثبت سبب الرحمة والغفران ، وحذف المسبب ، وهو الرحمة والغفران ، وهذا من الإيجاز الحسن . وقال الزمخشري : ويعذبهم إن شاء إذا لم يتوبوا ، ويتوب عليهم إذا تابوا . انتهى . ولا يجوز تعليق عذابهم إذا لم يتوبوا بمشيئته تعالى ، لأنه تعالى قد شاء ذلك وأخبر أنه يعذب المنافقين حتما لا محالة . واللام في لِيَجْزِيَ ، قيل : لام الصيرورة ؛ وقيل : لام التعليل ، ويتعلق بقوله : وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا . قال الزمخشري : جعل المنافقون كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوها بتبديلهم ، كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم ، لأن كلا الفريقين مسوق إلى عاقبة من الثواب والعقاب ، فكأنهما استويا في طلبهما والسعي لتحصيلهما . وقال السدي : المعنى : إن شاء يميتهم على نفاقهم ، أو يتوب عليهم بفعلهم من النفاق بتقبلهم الإيمان .